كتب / محمد صديق
في عالم الجريمة المنظمة والبلطجة التي تصدرت المشهد في مصر خلال عقود مضت، برزت أسماء ارتبطت بالقوة والنفوذ وفرض السيطرة. وإلى جانب الاسم الشهير “صبري نخنوخ” الذي اعتبره الكثيرون الأب الروحي لهذا العالم لفترة طويلة، يبرز اسم قيادي آخر حرك خيوطًا كثيرة في الخفاء، وهو يحيى الصعيدي، المعروف في الأوساط بلقب “أسد الطريق الصحراوي”.
فكيف بدأت رحلته؟ وما طبيعة علاقته بنخنوخ؟ وكيف تحول من مجرد “فتوة” إلى صاحب نفوذ واسع على أحد أهم الطرق الحيوية في مصر؟
النشأة وفرض السيطرة: ولادة “أسد الصحراوي”
لم يكن لقب “أسد الصحراوي” مجرد اسم حركي عابر، بل كان يعكس نفوذًا شبه مطلق فرضه يحيى الصعيدي على امتداد طريق (القاهرة – الإسكندرية) الصحراوي، وتحديدًا في منطقة وادي النطرون والمناطق المتاخمة لها.
بدأ الصعيدي نشاطه بالتركيز على السيطرة على الأراضي الواسعة في هذه المناطق المستصلحة حديثًا وحمايتها، وهو ما يُعرف في العُرف الدارج بـ**”الحراسة” أو “الخفارة”**. ومع الوقت، تحولت هذه الحراسة إلى شبكة واسعة لفرض النفوذ و”الإتاوات” على أصحاب المزارع والمصانع والشركات القائمة هناك. أي مستثمر أو صاحب أرض في تلك المنطقة كان يعلم تمامًا أن تأمين عمله يمر عبر بوابة يحيى الصعيدي ورجاله.
تحالف القوة: الصداقة “الحديدية” مع صبري نخنوخ
لا يمكن الحديث عن يحيى الصعيدي دون التطرق إلى علاقته الوثيقة بـصبري نخنوخ. لم تكن هذه العلاقة مجرد زمالة عابرة في عالم الجريمة، بل كانت تحالفًا استراتيجيًا بين قوتين:
نخنوخ: الذي كان يمثل مركز الثقل والنفوذ داخل العاصمة (القاهرة) والإسكندرية، وله علاقات متشعبة برجال أعمال وشخصيات نافذة.
الصعيدي: الذي كان يمثل الذراع العسكرية والقبضة الحديدية على الطرق السريعة والمناطق الصحراوية، ويمتلك مخازن سلاح ومجموعات من الرجال المدربين.
هذا التكامل جعل منهما ثنائيًا يهابه الجميع. ووفقًا للتقارير الأمنية والتحقيقات التي جرت عقب سقوط شبكة نخنوخ، كان الصعيدي هو الملاذ الآمن والظهير الصحراوي لعمليات النفوذ، وتبادل الخدمات، وتوفير “الرجال” للمهمات الصعبة وتأمين الحفلات والشخصيات العامة.
ترسانة السلاح ووادي النطرون: نقطة التحول
جاءت نقطة التحول الكبرى في حياة يحيى الصعيدي مع تزايد الملاحقات الأمنية بعد ثورة يناير 2011، وتحديدًا عقب سقوط صبري نخنوخ في قبض الأمن عام 2012 داخل قصره بالإسكندرية.
داهمت قوات الأمن معاقل يحيى الصعيدي في منطقة وادي النطرون بالبحيرة، لتتكشف تفاصيل “إمبراطورية عسكرية” مصغرة. تم ضبط ترسانة من الأسلحة شملت:
بنادق آلية ورشاشات متطورة.
كميات ضخمة من الذخائر بمختلف الأعيرة.
سيارات مجهزة ومصفحة تستخدم في اقتحام وادي النطرون والمناطق الجبلية.
كشفت هذه المداهمات أن الصعيدي لم يكن مجرد “بلطجي محلّي”، بل كان يدير تنظيمًا مسلحًا قادرًا على مواجهة المخاطر وفرض السيطرة بالقوة التامة.
النهاية وبقايا الأسطورة
كعادة أغلب قصص النفوذ خارج إطار القانون، وضعت الضربات الأمنية المتلاحقة حدًا لإمبراطورية “أسد الصحراوي”. فمع استعادة الدولة هيبتها وتشديد القبضة الأمنية على الطرق السريعة ومناطق الاستصلاح، تلاشت سطوة “الخفارة بالإكراه”، وحُوكم أقطاب هذا العالم خلف القضبان.
يبقى اسم يحيى الصعيدي في الذاكرة الأمنية والجنائية المصرية كشاهد على حقبة “البلطجة المنظمة”؛ الحقبة التي تحولت فيها حراسة الأراضي في الصحراء إلى “دولة داخل الدولة”، قبل أن تسدل الأجهزة الأمنية الستار على أسطورة “أسد الصحراوي” وصديقه “نخنوخ”.